الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
26
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بالرق قيل : عبيد ، لا غير . والمقصود بعباد اللّه هنا الأشوريون أهل بابل وهم جنود بختنصر . والبأس : الشوكة والشدة في الحرب . ووصفه بالشديد لقوته في نوعه كما في آية سورة سليمان [ النمل : 33 ] : قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ . وجملة فَجاسُوا عطف على بَعَثْنا فهو من المقضي في الكتاب . والجوس : التخلل في البلاد وطرقها ذهابا وإيابا لتتبع ما فيها . وأريد به هنا تتبّع المقاتلة فهو جوس مضرة وإساءة بقرينة السياق . و ( خلال ) اسم جاء على وزن الجموع ولا مفرد له ، وهو وسط الشيء الذي يتخلل منه . قال تعالى : فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ * [ الروم : 48 ] . والتعريف في الدِّيارِ تعريف العهد ، أي دياركم ، وذلك أصل جعل ( ال ) عوضا عن المضاف إليه . وهي ديار بلد أورشليم فقد دخلها جيش بختنصر وقتل الرجال وسبى ، وهدم الديار ، وأحرق المدينة وهيكل سليمان بالنار . ولفظ ( الديار ) يشمل هيكل سليمان لأنه بيت عبادتهم ، وأسر كل بني إسرائيل وبذلك خلت بلاد اليهود منهم . ويدل لذلك قوله في الآية الآتية : وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ . [ 6 - 8 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 6 إلى 8 ] ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ( 6 ) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً ( 7 ) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ( 8 ) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ( 6 ) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها . عطف جملة فَجاسُوا [ الإسراء : 5 ] فهو من تمام جواب ( إذا ) من قوله : فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما [ الإسراء : 5 ] ، ومن بقية المقضي في الكتاب ، وهو ماض لفظا مستقبل معنى ، لأن ( إذا ) ظرف لما يستقبل . وجيء به في صيغة الماضي لتحقيق وقوع ذلك . والمعنى : نبعث عليكم عبادا لنا فيجوسون ونرد لكم الكرة عليهم ونمددكم بأموال وبنين ونجعلكم أكثر نفيرا .